الجزءُ الأوّلُ من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ سلسلةٌ متصلةٌ

الموضوع في 'دروس اللغة العربية' بواسطة Ajyal, بتاريخ ‏30 سبتمبر 2008.

  1. Ajyal

    Ajyal مدون متألق

    الجزءُ الثالثُ منَ الأخطاءِ اللُّغويّةِ الشائعةِ

    ( سِلْسِلةٌ متَّصِلةٌ )




    الموضعُ الأوّلُ :
    خطَّأ الشيخُ عليٌّ الطنطاويُّ أن يُقالَ : ( دهسَه ) بمعنى ( دعسَه ) ؛ قالَ : ( الدعْسُ : الوطْءُ الشديدُ .... وبعضُ الصحفيين عندنا يتفاصحون ؛ فيكتبون : " دهسْت " بالهاء بدلَ العينِ . وذلك خطأ )([1])
    . وكذلكَ زعمَ صاحبُ ( معجم الأخطاءِ الشائعةِ )([2]) ، وصاحبُ ( معجمِ أخطاء الكُتَّابِ )([3]) .
    والحقُّ أنَّه لم يرد في المعاجمِ الفعلُ ( دهسَ ) ؛ ولكني وجدتُّه في شعرِ العجّاجِ - وهو حُجَّةٌ غيرَ ريبٍ - ؛ قالَ :
    ** سنابكُ الخيلِ يصدِّعنَ الأيَرْ **
    ** من الصَّفا العاسي ، ويدْهَسْنَ الغَدَرْ **
    قالَ الأصمعي في شرحِهِ : ( وقوله : " ويدهَسنَ الغدَر " ؛ يقولُ : إذا مررنَ بموضعٍ صُلبٍ مرتفعٍ تركنَه دَهاسًا . والدَّهاسُ الترابُ الليِّنُ ، ما لا يبلغُ أن يكونَ رملاً )([4])
    .
    فقد رأيتَ أنَّ أصلَ الدهْسِ أن تُصيِّرَ الشيءَ الصُّلبَ ، أو المرتفعَ سَهلاً ليِّنًا ، وتسوِّيَه بالأرضِ .
    وإذا كانَ كذلكَ جازَ أن يُطلقَ على الوطء الشديدِ ؛ إذِ من لازمِه أن يدلَّ على هذا المعنَى .
    على أنَّ بينَ ( دعسَ ) ، و ( دهسَ ) فرقًا ؛ فأصلُ الدعسِ الطَّعنُ ، ثمَّ توسّعوا فيهِ . وأصلُ الدَّهسِ ما قد علمتَ ؛ فإذا أردتَّ المبالغةَ في إثباتِ شدةِ الوطء ، فالدَّهسُ أولَى ، وأليقُ .



    فقد تبيَّنَ إذًا جوازُ قولِك : ( دهسَ ) بالمعنى الذي ذكرنا .



    الموضعُ الثاني :
    يخطِّئونَ من يّقولُ : ( هامّ ) بمعنى الأمرِ الذي يُؤبَه لهُ ، ويُحتفلُ بهِ ، وبعضهم يخطّئ ذلكَ بإطلاقٍ ، وبعضٌ آخرُ يعتدّه ضعيفًا . ويزعمونَ أنَّ الصوابَ ، أو الأفصحَ في ذلك ( مُهِمّ )([5])
    . والكلامُ على ( هامّ ) ، و ( مُهِمّ ) يحتاجُ إلى تفصيلٍ يُدارُ على مسائلَ :


    المسألةُ الأولَى : في تصاريفِهما ، ودَِلالةِ بِنيتِهما :
    تقولُ : ( همَّه يهُمُّه هَمًّا ومَهَمَّةً وتَهمامًا . وهذا المصدرُ الأخيرُ لم أجده في المعاجمِ . وشاهدُه قولُ أبي دُوَادٍ الإياديِّ في الأصمعياتِ :
    منعَ النومَ ماويَ التَّهمامُ *** وجديرٌ بالهمِّ مَن لا يَنامُ
    فاهتمَّ ، وهو هامّ ، واسم المفعولِ مهمومٌ ، وصيغةُ التفضيلِ منه أهمُّ ) ، و ( أهَمَّه يُهِمُّه إهمامًا ؛ فهو مُهِمّ ، وهي مُهِمّة ؛ جمعُها مُهِماتٌ ومَهامُّ ، واسم المفعولِ مُهَمّ ، وصيغةُ التفضيلِ منه أشدُّ أو أكثرُ إهمامًا ) . تعديهِ بنفسِه ، وبالهمزةِ ، كما تقولُ : ( بدأ الله الخلقَ ، وأبدأه ) ، و ( رجَعَه ، وأرجعه ) ، و ( حزَنَه ، وأحزنَه ) . أما ( الأهمية ) فمصدرٌ صناعيُّ محدَثٌ منسوبٌ إلى ( الأهمّ ) ، غلّبُوه على المعنى الثاني لهذينِ الفعلينِ - كما سيأتي - .



    المسألة الثانية : في معانيهما في استعمالِ الناسِ اليومَ :
    يستعملُ النَّاسُ اليومَ هاتينِ الكلمتينِ وتصاريفَهما للدلالةِ على معنيينِ :
    الأول : بمعنى الأمرِ الذي يضيقُ منه الصدرُ ، ويحزنُ له القلبُ .
    الثاني : بمعنى الأمرِ الجسيم الذييؤبَهُ له ، سواءٌ كانَ محزِنًا ، أم مفرِحًا .



    المسألةُ الثالثةُ : بيانُ حكمِ استعمالِهما بهذينِ المعنيينِ :
    اعلمْ - وصلَكَ الله بفضلِهِ - أنَّ المُحتَكمَ إليهِ في ذلكَ إما سَماعٌ صحيحٌ عن العربِ الذينَ يُحتَجُّ بهم ، وإما قياسٌ تشهدُ له النظائرُ .
    فأمَّا السَّماعُ ، فهو ثابتٌ فيهما جميعًا بالمعنيينِ ؛ فأمَّا ( همّه ) بالمعنى الأوّلِ ، فله شواهدُ ، منها قولُ رؤبةَ :
    ** وهمُّ مهمومٍ ضَنينِ الأضْنَنِ **
    وقالَ ذو الرمة :
    ما ظلَّ مذ وجفت في كلِّ ظاهرةٍ *** بالأشعثِ الوَرْدِ إلا وهْو مهمومُ
    وقال المرّار الفقعسيّ :
    فإنّ الصبا رِيحٌ إذا ما تنسَّمتْ *** على نفْسِ مهمومٍ تجلتْ همومُها
    وأما ( همّه ) بالمعنى الثاني ، فقد أنكرَ السَّماعَ فيهِ بعضُ المتأخّرينَ ، ولم تُثبِته المعاجمُ . والصوابُ أنه ثابتٌ في كلامِ مَن يُحتَجُّ بهِ ؛ قالَ تأبّط شرًّا :
    قليلُ غِرارِ النّوم ، أكبرُ هَمِّهِ *** دمُ الثأرِ أو يلقى كميًّا مُقَنّعا
    وقالَ حاتم الطائيّ :
    لحى الله صعلوكًا مناه وهمُّه *** من العيش أن يّلقَى لبوسًا ومطعما
    وقالَ طرَفة بن العبد :
    ولا تجعليني كامرئ ليس همُّه *** كهمّي ، ولا يغني غَنائي ومشهدي
    وقالَ الأخطلُ :
    والنَّاسُ همُّهمُ الحياةُ ، ولا أرى *** طولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خبالِ
    ووجهُ الاستدلالِ أنَّ المرادَ بالهمِّ في ما سلفَ ( ما يعني صاحبَه ، ويَُكرِثُه ) . ولمَّا كانَ ( الهمُّ ) فعلُه لا يكونُ إلا ثلاثيًّا ، ثبتَ بهذا ( همَّه يهُمّه ) . فإن قيلَ : ولِمَ لا يكونُ من بابِ ( أحبَّ ) ؛ فإنهم قالُوا ( أحبَّه حُبًّا ؛ فهو محبوب ) . قلت : إنَّ هذا لا يُسلَّمُ ؛ فإنهم قالوا أيضًا : ( مُحَبّ ) ؛ ومنه قولُ عنترةَ :
    ولقد نزلتِ - فلا تظني غيرَهُ - *** مني بمنزلةِ المُحَبِّ المُكرَمِ
    وحكى الفراءُ ( حبَبْتُه أحِبُّه )([6])
    . ثمّ لو سُلِّمَ ذلك ، لم يكن ليصِحّ أن يُحملَ عليهِ إلا بسماعٍ صحيحٍ ؛ فإن عُدِمَ السَّماعُ ، لم يسُغْ لنا إلا أن نحملَ على الأكثرِ المطَّرِدِ .
    أما ( أهمّه ) بالمعنى الأوّلِ ، فمن شواهدِهِ قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذليّ :
    تقولُ له كفيتُك كلَّ شيءٍ *** أهمَّكَ ما تخطتني الحُتُوفُ
    وقالَ أبو دهبلٍ الجُمحيُّ :
    أخًا لي عليهِ ضامنٌ ما أهمَّني *** متى ما يُنلني اليومَ لا يعتللْ غدا
    وقالَ أبو وَجزةَ السَّعديّ :
    فتًى قد كفاني سَيبُه ما أهمّني *** ولي خِلتُ في أعقارِهِ مُتَندَّحُ
    أمّا ( أهمَّه ) بالمعنى الثاني ، فشاهدُه قول الله تعالى : [​IMG] وطائفةٌ قد أهمَّتهم أنفسُهم [​IMG] [ آل عمران : 154 ] . أي عَنَتهم ، وكَرَثتْهم . ثمّ قالَ ابنُ المقفع : ( لا عيبَ على الملكِ في تعيشهِ وتنعمهِ ولعبهِ ولهوهِ ، إذا تعهد الجسيمَ من أمرهِ بنفسهِ ،وأحْكَمَ المُهِمَّ ) ، وقالَ الجاحظُ : ( ولنَقلِ الجنِّ الأخبارَ ، علِمَ الناسُ بوفاةِ الملوكِ ، والأمور المُهِمّةِ ) .
    وهذا المعنَى الثاني لـ ( هامّ ) ، و ( مُهِمّ ) لم يتمكنْ في كلامِ الأوائلِ تمكّنَ الأولِ ، ولم يكثرْ كثرتَه ؛ علَى أنه ثابتٌ كما بيّنّا .


    وأما القياسُ ، فأمرانِ : الاشتقاقُ ، والمجازُ .
    فأما الاشتقاقُ فعلى ضربينِ :
    - الضربُ الأولُ : الاشتقاقُ المجرَّدُ :
    ويحتملُ أن يّكون مشتقًّا من أحدِ أصلينِ :
    الأصلُ الأوَّلُ : أن يَّكونَ مشتقًّا من قولِهم : ( همَّ الشحمَ يهُمُّه هَمًّا ) ، إذا أذابَه . وله ثلاثةُ أوجهٍ من الاشتقاقِ :
    الأول : أن يكونَ الوجهُ هو ( المشابهةَ في الأثرِ المحدَثِ ) ، لأنَّ أثرَ الهمّ في الإنسانِ كأثرِ الإذابةِ للشحم ؛ كلاهما يعملُ في إفناءِ متعلَّقِهِ . فلا يدخلُ في هذا إلا المعنَى الأوَّلُ بتصريفَيهِ ، لأنّ الأمرَ الذي يُؤبَه له لا يَعملُ في إفناءِ متعلَّقِهِ .


    الثاني : أن يكونَ الوجهُ هو ( المشابهةَ في مقدار التأثيرِ ) ؛ فيدخلُ في هذا المعنيانِ معًا بتصريفَيهما ، لأنَّهما جميعًا يُحدِثانِ أثرًا ظاهرًا في نفسِ الإنسانِ ، سواءٌ كان سرورًا أم حزنًا .

    الثالث : أن يكون الوجهُ هو ( المسببية ) ، لأنّ الإذابةَ مسببٌ غالبًا لهذا العارِضِ الذي يعتري نفسَ الإنسانِ . ولذلك قالَ المتنبي - وكأنّه فطَِنَ لهذه العَلاقةِ الاشتقاقيةِ - :

    والهمُّ يخترِمُ الجسيمَ نحافةً *** ويُشيبُ ناصيةَ الصبيِّ ، ويُهرِمُ

    ولا يدخُلُ في هذا إلا المعنى الأوَّلُ بتصريفَيهِ .

    فإن قيلَ :
    إنَّه ليسَ كلُّ همٍّ يذيبُ الجسمَ ؛ فمِن الهمومٌ همومٌ لا يجاوزُ أثرُها القلبَ .
    قلتُ :
    أجلْ ؛ ولكنَّ من عوائدِ الاشتقاقِ وعوارضِه ضربًا اسمُه ( التعميمُ بالاستحقاقِ ) ؛ وتأويلُ ذلكَ أنَّ ( الهمَّ ) كما يدُلُّ عليهِ أصلُ اشتقاقِهِ مِن شأنِهِ أن يذيبَ ؛ ولكنْ ربَّما امتنعت إذابتُه لعارضٍ من الضَُّعفِ فيهِ ، أو عارضٍ من القوَّةِ في المفعولِ بهِ الإذابةُ . ونظيرُ هذا لفظُ ( معلومة ) في كلامِ أهلِ هذا العصرِ ؛ فإنَّهم يطلقونَه على ما مِن شأنِه أن يُعلَم ؛ وإن كانَ لا يعلمُه كثيرٌ من النَّاسِ . وشاهدُه من الشِّعرِ قولُ مُويلكٍ المزمومِ في الحماسةِ :
    فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً *** لم تدرِ ما جزعٌ عليكِ فتجزَعُ
    فمعنَى ( مرحومة ) : ( مستحِقةٌ للرحمةِ ) .


    الأصلُ الثاني : أن نخالفَ ابنَ فارسٍ([7]) ؛ فندعيَ أنّ لمادّة ( همّ ) أصلينِ ، أحدُهما يدلّ على ذوَبانٍ ونحوِه ، والآخر يدلّ على قصدٍ وعزمٍ ؛ فيكونُ المعنى الأوّلُ وحدَه محمولاً اشتقاقُه على ما ذكرنا من وّجوهِ الاشتقاقِ . ويكونُ المعنى الثاني محمولاً على الأصلِ الثاني لمادّة ( همّ ) ، ويكونُ معناه ( حملَه على القصدِ والعزمِ والتدبيرِ ) . ويكونُ قولُهم ( همّ بهِ ) مطاوِعًا في المعنى لا في البناءِ لهُ ؛ كأنه ( همّه، وأهمَّه ؛ فهمّ بهِ ) ، وتكونُ الهمزةُ في المزيدِ للجعلِ ، لا للإيقاعِ المباشرِ .


    - الضربُ الثاني : عوارضُ الاشتقاقِ :
    وهو خاصٌّ بالمعنى الثاني لـ ( همّه ) ، و ( أهمّه ) ، لقلةِ ما وردَ منهما ؛ فلنا أن نحتجَّ لهما من طريقِ ( الاستئثارِ اللفظيِّ ) ؛ وذلكَ أنَّ الهمَّ - كما هو مقتضَى الاشتقاقِ - هو ما أذابَ البدنَ كمَدًا وحزَنًا ؛ فاستأثرَ بعضُ أفرادِ المدلولِ ( أي : المعنى ) على الدالِّ ( أي : اللفظ ) ، لكونِه الأصلَ الاشتقاقيَّ ؛ فسُمِّيَ كلُّ أمرٍ جسيمٍ يعتري المرءَ هامًّا ، ومهِمًّا إلحاقًا له بالمعنى الأوَّلِ . وإنما ساغَ هذا لأن المعنيين يشترِكانِ في معنًى جامعٍ ؛ وهو أنهما عارِضانِ جسيمانِ ذوا خطَرٍ ، يعتريانِ نفسَ المرءِ ، وأنَّ أحدَهما - وهو المعنى الأول - أصلٌ في الاشتقاقِ ؛ فأدخلوا الثانيَ فيهِ ، كما أدخلوا النساءَ في الرجالِ في قولِه تعالى : [​IMG] يا أيها الذينَ آمنوا [​IMG] ؛ إذ سوّغَ هذا فضلُ أحدِ الصنفينِ ؛ وهو الرجالُ ؛ وذلك من وجوهٍ كثيرةٍ ، وأنَّهما يشتركانِ في معنًى جامعٍ ؛ وهو البشريةُ .



    وأمَّا المجازُ ، فأن يكونَ المعنى الثاني لـ ( هام ) ، و ( مهم ) مجازًا مُرسَلاً عن المعنى الأوّلِ ، عَلاقتُه السَّببيةُ . وذلكَ أنَّ الهمَّ بمعنى ( ما يَحزُنُ ) ممَّا يُحدِثُ في نفسِ صاحبِهِ الاحتفالَ ، والعنايةَ .


    وبما مضَى يستبينُ أنَّ لكَ أن تقولَ : ( همَّه يَهُمّه ؛ فهو هامّ ) ، و ( أهمّه يُهِمّه ؛ فهو مُهِم ) للدلالةِ على المعنيينِ اللذينِ ذكرنا .



    الموضع الثالث :
    يقولون : ( كسِبَ يكسَب ) . وهو خطأ . الصواب : ( كسَبَ يكسِب ) ؛ قالَ تعالى : [​IMG] بلى من كسَبَ سيئةً [​IMG] [ البقرة : 81 ] ، وقالَ : [​IMG] ومَن يكسِبْ إثمًا فإنما يكسِبُه على نفسِهِ [​IMG] [ النساء : 111 ] .
    وعلةُ الخطأ - وإن كانتْ علةً قاصرةً - أنَّهم حملوا ( كسَب يكسِبُ ) على ( خسِر يخسَر ) حملَ العامِّ على الخاصِّ ؛ إذِ الكسبُ أعمُّ من الخَسارةِ ؛ ولكن بعد أن توهّموهما ضدَّينِ .




    الموضع الرابع :
    نصَّ مجمعُ اللغة العربيةِ بالقاهرةِ على هذا القَرار : ( لا يجوزُ في ألقابِ المناصبِ والأعمالِ اسمًا كانَ أو صفةً أن يّوصفَ المؤنّثُ بالمذكرِ ؛ فلا يقالُ : فلانة أستاذ ، أو عضو ، أو رئيس ، أو مدير )([8]) .
    وهذا القَرارُ سُخفٌ ، وتخليطٌ ، ولعِبٌ . وهو يكشِف لكَ عما ينطوي عليهِ أمرُ هذا المجمعِ ، وأنَّه أُسِّسَ على سَخَطٍ من العربيةِ وغضَبٍ !
    والردُّ على ذلكَ أن نقولَ :
    الأسماءُ نوعانِ : جامدةٌ ، ومشتقةٌ ؛ فأما المشتقةُ ، فيُفصَلُ مؤنَّثُها عن مذكرِها بالتاءِ ، أو بغيرِها من علاماتِ التأنيثِ ؛ نحوُ : ( ذاهب ، وذاهبة ) ؛ إلا أن يكونَ معناها مما يغلبُ أن يقومَ بالمذكَّرِ ؛ فإنَّ لكَ فيهِ وجهينِ : أحدُهما أن تجرِّدَه من التاءِ مطلقًا . والآخرُ أن تبقيَه على الأصلِ ؛ فتفصلَ مؤنّثَه عن مذكرهِ بالتاءِ . والأولُ أحسنُ . ومن أمثلةِ هذا الضربِ ( الشاهد ) ، و ( أمير المؤمنين ) ، و ( الوكيل ) . وأما الجامدةُ ، فإن كانت ممَّا له مذكرٌ ومؤنثٌ حقيقيانِ ، فإنه يجِبُ تأنيثِ مؤنثه ، وتذكير مذكره . وقد استعملَ العربُ لذلك ثلاثةَ أوجهٍ ؛ الأولُ : أن تفصلَ المؤنثَ عن المذكرِ بلفظٍ يخالفُه ، كما قالوا : ( حمار ، وأتان ) ، و ( تيس ، وعنز ) ، و ( رجل ، وامرأة ) . وهو الأكثرُ . الثاني : أن تفصِل المؤنثَ عن المذكر بالتاءِ ، كما تفعلُ في المشتقِّ ؛ ومن ذلكَ ( أسَد ، وأسدة ) ، و ( حمار ، وحمارة ) . الثالث : أن تجعلَ للمذكر والمؤنث لفظًا واحدًا ، إمَّا مختومًا بالتاءِ ، وإما غيرَ مختومٍ ؛ فمن الأولِ نحوُ ( فرس ) . ومن الثاني نحوُ ( حمامة ) . وللتفصيلِ في هذا ، والتعليلِ مَقامٌ آخرُ .
    أما الأسماءُ الجامدةُ التي ليسَ لها مذكرٌ ومؤنّثٌ حقيقيانِ - وهو مقصَدنا - ، فإنَّ العربَ تستعملُ له لفظًا أو ألفاظًا ، ولا تلتزمُ فيهِ وجهًا ؛ فربما جعلوه مذكَّرًا ؛ نحو ( قَلَم ) ، و ( قمَر ) . وربما جعلوه مؤنثًا ، إما تأنيثًا بعلامةٍ ؛ نحو ( ظُلْمة ) ، أو بغيرِ علامةٍ ؛ نحو ( شمس ) . وربما جعلوه مذكّرًا مؤنثًا ؛ نحو ( حالٍ ) ، و ( دِرْعٍ ) . وهذا الضربُ - أعني غيرَ الحقيقي - ليسَ له وجهٌ ثابتٌ في لُغاتِ العالَمِ ؛ بلِ هيَ في أمرٍ منه مختلِفٍ .
    فهذا سبيلُ الاستقراءِ ، قدَّمناه إليكَ موجَزًا .


    أما بيانُ وجهِ القياسِ في ذلكَ ، فنقولُ :
    إنْ وردَ عليكَ لفظٌ مشتقّ ( وهو هنا اسمُ الفاعل ، والمفعول ، وصيغ المبالغة ، والصفة المشبهة ) في غيرِ ما استثنته العرب ، كـ ( فَعول ) ، و ( مِفعال ) ، فإنَّك تفصِل مؤنثَه عن مذكرِهِ بالتاءِ ؛ فتقولُ : ( كاتب ، وكاتبة ) ، و ( رئيس ، ورئيسة ) ، إلا أن يكونَ معناه مما يغلب أن يقومَ بالمذكر ؛ فإن لك فيهِ الوجهينِ ، كـ ( مُدير ) ، و ( رئيس ) . وإلا أن يكونَ من بابِ ( أفعل فعلاء ) ، أو ( فعلان فعلى ) ؛ فإنَّ تأنيثه بالألفِ .


    وإنْ وردَ عليكَ لفظٌ جامدٌ ، فله حالانِ :
    الحالُ الأولى : ألا يبلغَك عن العربِ فيهِ سَماعٌ ، فإنْ كانَ معناه معنى المشتقِّ ، وكانَ له مؤنثٌ حقيقيٌّ ، فصَلْتَ مؤنثَه بالتاء ؛ تقولُ : ( تلميذ ، وتلميذة ) ، و ( أستاذ ، وأستاذة ) . والعربُ كثيرًا مَّا تحملُ الشيءَ على الشيءِ لُعلقةٍ بينَهما في المعنى ، كما فعلوا في بعضِ الأسماءِ الجامدةِ في النعتِ ، والحالِ .
    فإن لَّم يكن له مؤنّثٌ حقيقيٌّ ، فليسَ لكَ إلا أن تلتزمَ تذكيرَه ، لأن التذكيرَ هو الأصلُ ؛ ولذلكَ يخطئ بعضُ الناسِ ؛ فيؤنثُ ( الكمبيوتر ) .
    فإن قيلَ :
    ألا ترَى أنَّه بمعنى ( الآلةِ ) ؟
    قلتُ :
    ألا ترَى أنتَ كذلكَ أنّه بمعنى ( الجهاز ) ؟ وليسَ أحدُهما بأولَى من الآخرِ . وإذْ ثبتَ أن العربَ لا تستنِد في تذكيرِ ما كانَ كذلكَ ، وتأنيثِه إلى علةٍ بيِّنةٍ ، فإنه ليسَ لنا أن نقيسَ على شيءٍ من ذلكَ ؛ ألا ترَى أنهم أنثوا ( الشمس ) ، وذكروا ( القمر ) لغيرِ علةٍ ظاهرةٍ ؛ وإن كنتَ لو فتشتَ واجدًا علةً ؛ غيرَ أنها علةٌ غيرُ موجبةٍ ؛ يبيِّنُ لكَ ذلكَ اختلافُ لغاتِ الأممِ في تذكيرِ ما كانَ كذلكَ وتأنيثِهِ . فلمَّا عدِمنا العلةَ الظاهرةَ ، امتنعَ علينا القياسُ ، لأنك لا تقيسُ على الشيءٍ حتى تعرفَ علتَه . فإن قلتَ : لا أقيسُ عليهِ قِياسَ علةٍ ؛ ولكن قياسَ شبهٍ ؛ أشبِّهُهُ بـ ( الآلةِ ) من جهةِ المعنَى . قلتُ : ليسَ للمحدَثِ أن يقيسَ قياسَ شبهٍ إلا في المواضعِ التي طردتَها العربُ ، كالفعلِ المضارعِ ؛ إذ شبهوه بالاسمِ ؛ فأعربوه ؛ ألا تَرى أنه ليس شيءٌ إلا هو يشبه غيرَه من وجهٍ ، أو وجوهٍ ؛ فلو أخذنا بالقياسِ في ذلكَ ، لأفضَى بنا هذا إلى اضطرابِ الأصولِ ، وانتقاضِ عُقدِ القياسِ . ولذلك لو شبهتَ ( الكمبيوتر ) بـ ( الآلةِ ) ، لأنه أحدُ أفرادِها ، للزِمَك أن تشبهَه بـ ( الجهاز ) ، لأنه أحدُ أفرادِه أيضًا ؛ فتذكرَه ، وتؤنّثَه في حالٍ . وهذا فاسِدٌ . فإذا امتنعَ قياسُ العلة ، وقياسُ الشبهِ ، وجبَ عليكَ الحملُ على الأصلِ في الأسماءِ ؛ وهو التذكيرُ
    ([9]) ؛ فتذكرُ لفظَ ( الكمبيوتر ) . ومثلُه أيضًا لفظُ ( الإنترنت ) ؛ فإنه مذكر ، وتأنيثُه خطأ .

    الحال الثانية : أن يبلغَك عن العربِ فيهِ سَماعٌ ؛ ولكنَّ المحدَثينَ عدَلوا بهِ عن حقيقةِ وضعِهِ إلى ضربٍ من المجازِ ، فإنَّك لا تغيّره عن حالِه لاختلافِ المسنَد إليه تذكيرًا ، وتأنيثًا ؛ بل تطلقُ عليهما لفظًا واحدًا ؛ فتقولُ : ( هذا عضوٌ في مجمعِ كذا ، وهذه عضوٌ في مجمعِ كذا ) .

    فإن قيلَ :
    ما لكَ فرَّقتَ بينَ ( أستاذ ) ، و ( عضو ) ؛ فادعيتَ أن مؤنثَ الأولِ بالتاء ، وجعلتَ الثاني لفظُه لفظُ المذكَرِ ؟
    قلتُ : لأنَّهما مفترقانِ ؛ فالأولُ بُنيَ في أصلِ وضعِهِ على معنى المشتقِّ . ألا ترَى أن معنَى ( أستاذٍ ) : ( معلِّمٌ )
    ([10]) ؛ يشهَدُ لهذا أنهم جمعوه جمعَ مذكَّرٍ سالمًا ؛ فقالوا : ( الأستاذُونَ ) ؛ إذ كانَ بهذا المعنى . ولولا ذلكَ ، لم يسُغْ لهم جمعُه جمعَ سلامةٍ . وممَّن صنَعَ هذا ابنُ قتيبةَ([11]) ، والحريريُّ([12]) . أما الثاني ، فإنه على التشبيهِ البليغِ ؛ إذ إنك إذا قلتَ : ( هذه عضوُ مجمع كذا ) ؛ فكأنك قلتَ : ( هذه في المجمعِ مثلُ العضوِ في البدنِ ) ؛ فتكونُ شبهتَها بالعضوِ ؛ فيستحيلُ أن تقولَ : ( هذه عضوة ) ، لأنك تكونُ شبهتَها بالعضوةِ . وليسَ ذلكَ من كلامِ العربِ .
    فإن قلتَ :
    أحملُها على معنَى المشتقِّ ، كما قالُوا : ( مررتُ برجلٍ أسدٍ أبوه ) ؛ أي : شجاع ، و ( شربتُ ماءً عسلاً طعمُه ) ؛ أي : شديد الحلاوةِ .
    قلتُ :
    هذا محمَلٌ بعيدٌ في هذا اللفظِ . وقد أبَى العلماءُ قياسَه
    ([13]) . ولو سلَّمنا أنّه مقيسٌ ، لم نُسلِّمْ أنَّه يؤنّثُ إذا أسنِدَ إلى مؤنّثٍ ، أو كانَ وصفًا له ؛ إذ لم يردْ في كلامِهم مثلُ هذا . ذلكَ أنَّه وإن ضُمّنَ معنى المشتقِّ ، فإنه باقٍ على إرادةِ التشبيهِ ؛ ألا ترَى أنّ معنى قولِك : ( هذا رجلٌ حديدٌ ) هو : ( هذا رجلٌ كالحديدِ في الصلابةِ ) . وممَّا يُثبتُ لكَ امتناعَه أنّا لو أجزناه ، لكانَ لكَ أن تقولَ : ( مررتُ برجلٍ بدرةٍ أمُّه ) ، و ( هذه امرأة بدرةٌ ) ؛ أي : جميلة كالبدرِ ، كما قلتَ : ( هذه امرأةٌ عضوةٌ ) . وهذا بيِّنُ القبحِ والفسادِ .
    هذا إذا عدِمتَ السماعَ .
    أما إذا بلغَك السَّماعُ عن العربِ في شيءٍ مما انقضَى ذِكرُه ، فليسَ لك إلا أن تتبعَ سبيلَهم ، وتقفوَ آثارَهم . ولذلكَ خطّأ الأصمعيُّ أن يّقالَ للمرأةِ : ( زوجةٌ )
    ([14]) ، لأنه يزعمُ أنه لم يثبت عن العربِ . وردُّوا عليهِ بثبوتِ ذلكَ . على أنّ هذا يفيدُ أن مردَّ هذا الأمرِ إلى السَّماعِ . ويخطئ من يّظنّ أن الأصلَ في مفرداتِ العربيةِ وأحوالِ أبنيتِها القياسُ ؛ بلِ الأصلُ فيها السّماعُ . والقياسُ إنما هو سبيلٌ إلى إدراكِ مذاهبِ العربِ متى ما عُدِم السماعُ .
    ولذلكَ ليسَ لكَ أن تؤنثَ لفظًا ، أو تذكّرَه حملاً على المعنَى ؛ بل تقتصِر في ذلك على السماعِ . أمَّا خبرُ الأعرابيِّ الذي أنّثَ ( الكتاب ) حملاً على ( الصحيفةِ )
    ([15]) ، فشاذٌّ . ولو أبحنا قياسَه ، لكانَ لكَ أن تذكِّرَ كلَّ مؤنّثٍ ، لأنه ليسَ شيءٌ من الموجوداتِ إلا هو يقبلُ أن تئوّلَه بمعنى ( شيء ) . وهذا لازمٌ لا يصِحّ ؛ وإذا امتنعَ ، امتنعَ ملزومُه .


    وبما تقدَّمَ بيانُه يظهرُ أنَّ المجمعَ خلَّطَ بينَ المسائلِ ، وجعلَ حُكْمَها واحدًا ، معَ أنّ حكم ( رئيس ) غيرُ حكمِ ( أستاذ ) ، وحكمَ ( أستاذ ) غيرُ حكم ( عضو ) ؛ بل بلغت بهِ الجرأةُ أن يّجعلَ الفرْضَ محرَّمًا ، والمحرَّمَ فرضًا واجبًا . وفي هذا إضرارٌ بالعربيةِ ، وإغواءٌ للناشئةِ ، واستهانةٌ بأهلِ العلمِ الذينَ يسوءُهم كلَّ المساءةِ أن يتصدَّرَ للفتيا من ليسَ من أهلها ، ويقضيَ في مسائلِ العلمِ من لا يفقُهها ، ولا يدرِك عللَها ، ولا يبصِرُ ما وراءَها . وما يغني عنه أن يكونَ انتسبَ إلى صرحٍ ظاهرُه الصلاحُ ، أو أن يكونَ لبسَ لبوسَ العلماءِ ، وتزيّا بزِيّهم ، وشيَّعَه من الناسِ من شيَّعَه ! فمتَى كانَ العلمُ بالمظاهرِ ، أو كانَ الاعتدادُ بمواطأةِ العامّةِ ؟
    عجِبتُ لإدلالِ العَيِّيِّ بنفسِهِ *** وصمتِ الذي قد كانَ بالقولِ أعلما
    ([16])

    ومن أسفٍ أنَّه قد اغترَّ بهؤلاءِ فريقٌ من الناسِ ممّن رضيَ بالتقليدِ ، واستوطأ مركَبَ التسليمِ ، وجعلَ معيارَ التفاضلِ بينَ الناسِ تلكَ الشَّهاداتِ التي قد تبيّنَ للجاهلِ الأميِّ بلهَ العالمَِ زيفُها ، وانكشفَت له خفاياها ، وأنه إن كانت تَزيدُ صاحبَها شيئًا ، فالجهلَ أقربُ أن تزيدَهُ ، وأنها إن كانت تَكسِبُ أهلَها أمرًا ، فإنما تَكسِبُهم ضِيقَ التَّفكيرِ ، والاتّباعَ المرسومَ ، والمنهجَ المحدَّدَ ، وتسدُّ عليهم مسالكَ الإبداعِ والتجديدِ ، وتصيِّرُهم كالعمَّالِ في سُخرةٍ ، يَسعَون في خدمةِ أغراضٍ منصوبةٍ لهم تَشغلُ عقولَهم عن صُلبِ العلمِ ، ومتينِهِ ، وتشحنُها بما لا يَجدي نفعًا ، ولا يهدي إلى سبيلٍ ؛ حتى إذا غلبَ أربابُها على نفسِهِ ، واستمكنوا من عقلِهِ ، ووثِقُوا من طاعِتهِ لمناهجِهم التي وضعوها ، وشقُّوا مذاهبَها ، إذا هو خاملُ الذِّهنِ ، معطَّلُ التفكيرِ ، مسلوبُ الرأيِ . ثمَّ تجدُ من بعدِ ذلكَ كلَّه مِن الجُهّالِ الأغمارِ مَن آلَى على نفسِهِ ألا يَرى الحقَّ إلا ما قالوه ، ولا يعملَ إلا بما شرعوه ، وأن يجعلَ أصابعَه في آذانِهِ ، ويستغشيَ ثيابَه ، ويُعرِضَ بقلبِهِ عن قولِ غيرِهم ؛ ولو ظهرَ له أن الحقّ معهم ، والعلمَ عندَهم ، إمَّا جهلاً بالفرقِ بينَ الطيِّبِ والخبيثِ ، والجيِّدِ والرديء ، وإما حسَدًا من عندِ نفسِهِ وبغيًا ( أعاذنا الله من حسدٍ يسدّ بابَ الإنصافِ ، ويصُدّ عن جميل الأوصافِ )([17]) .
    أما هذا المجمعُ ، فإنما أقولُ لهُ :
    فلو كانَ عبدُ الله مولًى هجوتُه *** ولكنّ عبدَ الله مولى مواليا
    فهو كما قالَ ابنُ قتيبةَ : ( له تَرجمةٌ تَروقُ بلا معنى ، واسمٌ يهول بلا جسمٍ )
    ([18]) .



    الموضع الخامس :
    خطَّأ صاحبُ ( معجمِ الأغلاطِ اللُّغويةِ المعاصرةِ )([19]) وغيرُه من يقولُ في النسبةِ إلى ( نحْو ) : ( نحَوي ) . وليسَ ذلكَ بخطأ ، لأن ( نحْو ) حلقيُّ العينِ على زنةِ ( فَعْل ) ؛ فيجوزُ لكَ فيه الفتحُ قياسًا ؛ نحو ( الشَّعْر ، والشَّعَر ) ، و ( البحْر ، والبحَر ) ، و ( النّهْرِ ، والنهَرِ ) . ثمَّ تنسِبُ إليهِ بعدَ فتحِهِ .
    فإن قيلَ :
    إنَّ ورودَ مثلِ هذا لا يسوّغُ قياسَهُ ؛ إذ يكونُ لغاتٍ لبعضِ العربِ ، كما قالوا : ( نشْز ، ونشَز ) مثلاً - وهو قولُ البصريينَ
    ([20]) - .
    قلتُ :
    بلِ القولُ الحقُّ الذي يؤدّي إليهِ النظرُ الصحيحُ أنَّ مسألتنا تفارقُ هذه المسألةَ ؛ إذ هي في ما كان حلقيَّ العينِ على زنةِ ( فَعْل ) . وبينَهما فروقٌ ، منها :

    الأولُ : أنَّا لو جعلنا فتحَ العينِ لغةً ، لأفضَى بنا هذا إلى أن نُثبتَ أوزانًا لا تَثبتُ ؛ فنجعلَ لاسمِ المفعولِ بناء ( مَفْعول ) ، و ( مَفَعول ) ؛ فقد حكَى ابنُ جني عن الشجريِّ أنه يقولُ : ( أنا محَمومٌ ) . قالَ ابنُ جني : ( وليس أحدٌ يدَّعي أن في الكلام " مفَعول " بفتح الفاءِ )([21]) . ونظيرُ هذا نفيُ البصريينَ غيرَ الأخفشِ بناءَ ( فُعْلَل ) . وأوّلوا ما وردَ من السماع على ذلكَ كـ ( سُؤدَد ) ، و ( جُخْدَب ) بأنّه مخّففٌ عن ( فُعْلُل )([22]) ؛ والمخفَّفُ لا يَثبتُ بهِ الوزنُ .

    الثاني : أنا لو جعلناه لغةً ، لأفضَى بنا هذا أيضًا إلى أن نصحِّحَ ما يستحقّ الإعلالَ ؛ نحوُ : ( سارُوا نحَوَه ) ؛ إذِ من حقِّ الواوِ أن تقلبَ ألفًا ، لتحركها وانفتاح ما قبلَها . فلولا أنَّها مخّففةٌ عن ( نحْو ) لوجبَ قلبُها . ألا ترى أن ( دِيْوانًا ) التقت فيه الواو ، والياء ، والأولُ منهما ساكنٌ ، ثمَّ لم تقلب الواوُ ياءً ، لكونِ الياءِ عارضةً ؛ إذ أصلُها واوٌ ( دِوَّان ) .

    فإن قيلَ :
    سلَّمنا أنَّ فتحَ العينِ في ذلكَ ليسَ لغةً ؛ وإنما هو تخفيفٌ ؛ فكيفَ حكمتَ بقياسِهِ ؟
    قلتُ :
    إنَّ شرطَ القياسِ في غيرِ ما تطلبُه الحاجةُ المعنويةُ من الألفاظِ - كما أرى - اثنانِ :
    الأولُ : أن تكونَ علتُه وجيهةً ، تشهدُ لها النظائرُ ، ويُقِرّ بها النظرُ .
    الثاني : أن نجِدَ العربَ تعتدُّ بها ، وتبني عليها الحكمَ في أفرادِ هذا الموضعِ كثيرًا .
    وهذانِ الشرطانِ متحقِّقانِ في ما كانَ حلقيَّ العينِ على زنةِ ( فَعْل ) ؛ فأمَّا الشرطُ الأولُ ، فهو ثابتٌ فيهِ ؛ إذ علتُه وجيهةٌ ؛ وهي علةُ التأثّر الصوتيِّ ، من قِبَل تأثّر الحركاتِ بالأصواتِ الصامتةِ
    ([23]) . وهي علةٌ فطريّةٌ ؛ يقوِّي ذلكَ أنَّها باقيةٌ منذُ القديمِ إلى اليومِ في كلامِ النَّاسِ ؛ فقد ذكرَ ابنُ جني أنه رأى كثيرًا من عُقيلٍ يُحركون من ذلك ما لا يتحركُ لولا حرفُ الحلقِ([24]) . والذي يثبتُ رسوخَ مناسبةِ الفتحِ لحرفِ الحلقِ في كلامِهم أنَّهم وضعوا في مضارعِ الثلاثيِّ بناءً فرعيًّا خصُّوا بهِ حروفَ الحلقِ ؛ هو بناءُ ( يفْعَل ) ؛ فخرجوا بهِ عن أصلهِ لهذه العلةِ . ولا يزالُ أهلُ نجدٍ إلى اليومِ يراعُون ذلكَ ؛ ألا ترى أنهم يقولون : ( مَحْجوز ) ، و ( اِمْحَجوز ) ، و ( مَغْسول ) ، و ( اِمْغَسُول ) ، و ( مَعْزول ) ، و ( امْعَزول ) ، و ( مَهْجور ) ، و ( امْهَجور ) ؛ فيفتحون حرفَ الحلقِ ؛ فإذا قالوا مثلاً : ( مَكْتوب ) لم يفتحوا . [ كما أنهم يقولون في ( الوعْد ، والفخْر ، والنحْر ، والمهْر ) : ( الوعَد ، والفخَر ، والنحَر ، والمهَر ) ؛ وربَّما بقُوا على السَّكونِ . فإذا قالوا : ( البدْر ، والعصْر ، والفجْر ، والصَّبْر ) لم يفتحوا البتةَ ]([25]) .
    أما الشرطُ الثاني ، وهو كثرةُ اعتدادِ العربِ ببناءِ الحكمِ على هذه العلةِ في أفرادِ هذه المسألةِ بالنسبةِ إلى عُروضِها لهم ، فهو بيِّنٌ ؛ إذ لهذا أمثلةٌ كثيرةٌ ؛ منها ( جهْرة ، وجهَرة ) ، و ( نهْر ، ونهَر ) ، و ( وحْل ، ووحَل ) ، و ( شعْر ، وشعَر ) ، و ( بحْر ، وبحَر ) ، و ( بهْت ، وبهَت ) ، و ( صخْر ، وصخَر ) ، و ( نعْل ، ونعَل ) ، و ( لحْم ، ولحَم ) . هذا غيرُ ما روى ابنُ جنّيْ عن عُقيلٍ .
    فقد رأيتَ تحققَ شرطي القياسِ في هذه المسألةِ .
    فإن قلتَ :
    ولكنَّ المرويَّ عن العربِ مخصوصٌ باسمِ الذاتِ ؛ و ( نحْو ) في أصلِه مصدرٌ .
    قلتُ :
    ليس هذا مسلَّمًا بهِ من جهةِ السماعِ ، والقياسِ .
    أما السّماعُ ، فقد نصَّ ابنُ جنيْ على السَّماعِ في ( نحْو ) ؛ قالَ : ( وسمعتُ بعضَهم وهو يقولُ في كلامِه : " ساروا نحَوَه " بفتح الحاءِ )
    ([26]) .

    وأما القياسُ ، فمن وجهينِ :
    الأولُ : إلغاءُ الفارقِ بينَها وبينَ ( فُعْل ) ؛ فإنهم مثّلوا له بـ ( عُسْر ) ، ( يُسْر ) ؛ وهما مصدرانِ ؛ ولا فرقَ بينَ تخفيفِ ( فُعْل ) مصدرًا ، وتخفيفِ ( فَعْل ) مصدرًا . وكذلك إلغاءُ الفارقِ بين المصدرِ ، واسمِ الذاتِ ؛ إذ الاستقراءُ لا يُثبت بينهما فرقًا إلا في المصدريةِ ؛ والمصدريةُ فرقٌ غيرُ مؤثّرٍ في حكمِ التخفيفِ .


    الثاني : دورانُ الحكمِ معَ العلةِ ثبوتًا وعدَمًا ؛ فإنَّ اسمَ الذاتِ إنّما خُفِّف بالفتحِ لمناسبةِ حرفِ الحلقِ . وهذه العلةُ نفسُها ثابتةٌ في المصدرِ ، ولا مُعارضَ .


    وبهذا نخلُصُ إلى جوازِ قولِك : ( نحَوي ) بمعنى ( نحْويّ ) . والقولُ بالقياسِ هو قولُ الكوفيينَ([27]) ، واختارَه ابنُ جنّي ؛ إذ قالَ : ( وما أرى القولَ من بعدُ إلا معَهم ، والحقَّ إلا في أيديهم )([28])
     

    طلب من زوارنا الكرام:
    رجاءا من كل الإخوة والأخوات الكرام الذين استفادو من الموضوع وبقليل من الجهد يمكنك مشاركة الموضوع عبر احدى الأزرار الأربعة twitter أو facebook أو +google أو whatsapp ولكم جزيل الشكر على ذالك.