استفحال بيداغوجية الغباء

الموضوع في 'مقالات و مواضيع تربوية' بواسطة Ajyal, بتاريخ ‏20 مارس 2008.

  1. Ajyal

    Ajyal مدون متألق

    استفحال بيداغوجية الغباء

    *****


    الحديث عن استمرار تدني مستوى التلاميذ خلال عقدين من الزمن حتى
    وصوله اليوم إلى الأمية الشبه تامة في نهاية الابتدائي, يعني حتما أن
    مستوى تلاميذ ما قبل الثمانينيات كان عاليا. السؤال الوجيه هو "ما الذي
    تغير و كان سببا في هبوط مستواهم بعد تلك الفترة ؟" للجواب عليه
    علينا التذكير بأن جل تلاميذ الخمسينيات و الستينيات :


    *****
    1. كانوا من أوساط اجتماعية مثقلة بالفقر و الأمية خلال فترة الاستعمار
    و مباشرة بعد الاستقلال, على عكس ما عليه جل أسر تلاميذ اليوم


    2. كانوا يلجون السنة الأولى من الابتدائي في السنة السابعة من أعمارهم
    بدلا من ست سنوات اليوم


    3. لم يسبق لهم جميعا أن كانوا في التعليم الأولي الذي لم يكن موجودا
    أصلا, اللهم بعضهم القليل من الذين كانوا في الكتاب. و اليوم أغلب
    التلاميذ دون السادسة من العمر يمرون في المدن إما من التعليم الأولي
    أو من الكتاب.


    4. كانوا يدرسون بالتعليم الابتدائي خمس سنوات فقط بدلا من ست
    سنوات اليوم.


    5. كانوا يدرسون عند معلمين التحق أغلبهم بالتعليم كمؤقتين وعرضيين
    من دون تكوين مسبق, على العكس من اليوم الذي لا يوجد فيه أستاذ
    واحد من دون تكوين.


    6. كانوا يدرسون عند معلمين لا يتعدى مستواهم التعليمي مستوى ما
    يعادل فقط السنة الثامنة إعدادي اليوم, التي في نهايتها كان يحصل الطالب
    على شهادة التعليم الثانوي. أما في الأمس القريب فمستوى الأساتذة
    بمراكز التكوين لا يقل عن الباكالوريا و اليوم لا يقل عن الإجازة.


    7. كانوا يدرسون من دون توفرهم على أي كتاب مدرسي شخصي. كل
    الدروس كانت يؤخذ من السبورة , و كتاب القراءة كان في ملك المدرسة,
    يوزع في بداية الحصة على أساس كتاب لكل تلميذين بالطاولة, و يُجمع
    في نهايتها من أجل تلاميذ الفوج الآخر في نفس اليوم أو الغد.

    6
    8. كانوا يدرسون الرياضيات و ما كان يسمى بـ "دروس الأشياء" باللغة
    الفرنسية, و يجتازون امتحانات نهاية السلك الابتدائي في هاتين المادتين
    بهذه اللغة, كدليل على إتقانهم للقراءة و الكتابة بها.


    9. للكتابة بالحبر لم يكونوا يتوفرون على أقلام جافة كاليوم, بل كانوا
    يكتبون بالحبر في المدرسة بواسطة "قلم الريشة" من محبرة مداد مثبتة
    في ثقب يتوسط الطاولة. و كانوا يعانون من تدفقها على صناع الاجيالهم و على
    ملابسهم و من تكرار طلب ملئها من طرف الحارس كلما جفت, و كانت
    تجف بسرعة, علاوة على ملئها من طرف بعض التلاميذ المشاغبين
    بالطباشير و غيره.



    10. و كانوا يحتاجون إلى محبرة للكتابة بالمنزل و إلا اكتفوا باستعمال
    قلم الرصاص لإنجاز فروضهم.


    11. و كانوا مع كل هذه الظروف الصعبة التي انتفت اليوم بحمد الله,
    يجتازون امتحانين في نهاية الابتدائي بعد خمس سنوات فقط من الدراسة
    و في نفس عمر تلاميذ السادسة ابتدائي اليوم. كانوا يجتازون :


    *****
    1) امتحان شهادة الدروس الابتدائية بمواده الكتابية متبوعا بالاختبار الشفوي.
    و كان يتقدم كأحرار لنفس الامتحان مع هؤلاء التلاميذ و في نفس الظروف,
    الموظفون المؤقتون بالبريد و الجيش و الشرطة و الدرك و غيرهم من
    الأعوان الإداريين بالقطاع العمومي من أجل الترسيم, مما يدل على جدية
    و علو مستوى مواد هذا الامتحان


    2) امتحان الالتحاق بالسلك الأول من التعليم الثانوي, المسمى اليوم
    الثانوي التأهيلي.


    *****
    و من يستطيع اليوم الوصول إلى أرشيف هذين الامتحانين في تلك الحقبة
    سيجد بالملموس كم كان مستوى هؤلاء التلاميذ عاليا في كل المواد بعد خمس
    سنوات فقط من الدراسة في عمر إثنى عشر سنة تماما كعمر تلميذ السادسة
    ابتدائي اليوم, و لكن في الظروف الصعبة المشار إلى بعضها أعلاه و التي انتفى
    جلها اليوم. بل أكثر من هذا, فكان هناك من بين تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي
    من يتقدمون لاجتياز امتحان الشهادة الابتدائية كأحرار كي لا يبقى لهم في
    نهاية السنة الخامسة إلا اجتياز امتحان الانتقال إلى السنة الأولى من السلك
    الأول من الثانوي. بمعنى إنه بفضل مفعول بداغوجية التحدي كان طموح
    التلاميذ عاليا و يدفعهم لخوض مغامرة تحدي من هم أعلى مستوى منهم
    بالإعداد الفردي اللازم لذلك و بمبادرة منهم.


    *****
    أما تلميذ اليوم في نهاية الابتدائي لا يتعدى مستواه مستوى تلميذ السنة
    الثانية ابتدائي في الستينيات و ما قبلها. فلا يكتب و لا يقرأ و لا يحسب,
    و ينتقل أُميًّا إلى الإعدادي فقط بدعم نقط المراقبة المستمرة المضخمة
    رغم البساطة المفرطة في مواد الامتحان الموحد الإقليمي لنيل شهادة
    الدروس الابتدائية, و التي أصبحت في الواقع شهادة على الأمية.



    *****
    ما الذي تغير إدن حتى وصل مستوى
    تلاميذ اليوم إلى هذا الحد من التدني ؟


    بالمقارنة بين محتوى كل المواد في تلك الفترة الزاهرة و محتواها اليوم يظهر
    الفرق بجلاء تام. المُتفحص لمحتوى مواد التعليم سابقا سيجد أن بيداغوجية
    تلك الحقبة كانت تتعامل مع عقل التلميذ تماما كعقل الراشد رغم صغر سنه.
    و يمكن تسميتها "بيداغوجية التحدي" المفرزة للمتفوقين انطلاقا من السنة
    الثانية ابتدائي. و لا زالت هذه البيداغوجية متبعة إلى يومنا هذا في إفراز
    الأبطال منذ الصغر بكل أنواع الرياضات. و هي التي أعطت و لا زالت
    تعطي أمثال نوال المتوكل و عويطة و الكروج في ألعاب القوى
    و غيرهم في باقي الرياضات.


    *****
    هذه البيداغوجية كانت تطلق العنان للمتعلمين منذ الصغر كي يصلوا إلى
    أقصى مدى مؤهلاتهم الذهنية في التعليم و أقصى مدى قدراتهم البدنية في
    الرياضة. و بما أن تلك المؤهلات و تلك القدرات متفاوتة بصفة طبيعية
    من متعلم لآخر كان يجد كل منهم في هذه البيداغوجية الفرصة و الفسحة
    السانحة ليتحدى نفسه و أقرانه من دون أن يحصره أحد كي يلحق به من
    هو من دون مستواه. و كما هو الحال حتى اليوم بالنسبة للمتدربين في
    الرياضة, كانت تظهر عند بعض المتعلمين الصغار في الأقسام الدراسية
    كفايات تفوق أحيانا كفايات المعلم نفسه. كانت بتلك البيداغوجية تتفتق
    العبقريات و تظهر بوادر نخب المستقبل. و ذلك بفضل التمارين في كل
    المواد التي كانت كلها أو جلها تمارين التحدي ابتداء من السنة الثالثة
    ابتدائي. و كان يتدخل المعلم في التعليم كما يتدخل المدرب في الرياضة
    فقط لصقل المهارات التي لوحظ فيها نقص عند المتعلم و تعوق تحسين
    مستوى الكفايات الملاحظة عنده. و هكذا كانت تلك البيداغوجية تفرز بعد
    خمس سنوات فقط من الدراسة بالابتدائي تلاميذ يفهمون جيدا ما يقرؤون
    لا بالعربية و لا بالفرنسية و يجيدون الإبداع في الكتابة باللغتين و لا
    يقبلون في الحساب إلا برفع تحدي حل المسائل المستعصية. و بفضل
    فرص التحدي التي كانت تمنحهم تلك البيداغوجية كان حبهم للتعليم
    كحبهم للرياضة.



    *****
    إلا أن العيب في هذه البيداغوجية كان يكمن في الإهمال في الطريق للمتعلمين
    من دوي المؤهلات الذهنية المحدودة, و الذين كانت تجب العناية بهم من دون
    كبح جماح غيرهم من المتفوقين. و المطلوب كان إدن هو بيداغوجية متوازنة
    و التي يصطلح على تسميتها اليوم بالبيداغوجية الفارقية, من حيث تعتني بصقل
    مواهب المتفوقين إلى أقصى حد بتمارين التحدي كما هو الحال في الرياضة,
    و لكنها لا تهمل في الطريق مَن مِن دونهم في القدرات الذهنية.


    *****
    إلا أن الذي حصل مع الأسف الشديد هو المرور من تطرف إلى تطرف
    أسوأ منه.


    مررنا من دون رادع من بيداغوجية التحدي المتحيزة للمتفوقين على حساب
    ضعاف التلاميذ, إلى ما أسميته بيداغوجية الغباء المفرطة في العناية بضعاف
    التلاميذ على حساب المتفوقين منهم. كأنك في الرياضة تكبح جماح طموح
    المتدربين الموهوبين :more73: و تحصر بل تخنق رغبتهم في التعبير عن قدراتهم,
    من أجل أن يصل إليهم من هم من دونهم في القدرات البدنية :more76: .

    وهكذا حصل في تعليمنا وبصفة مُمنهجة تسطيح
    مستوى المتعلمين من الأسفل.


    فبدلا من أن ننهج بيداغوجية متوازنة يُترك فيها لكل متعلم أن يصل في
    تحصيله و تكوينه إلى أقصى حد من قدراته الذهنية مع دفع كل ضعيف للحاق
    بمن يستطيع اللحاق به منهم, أوقفنا حتى الانطلاقة في السباق إلى حين
    يتحرك أضعف التلاميذ من مكانه من دون أن يتعدى غيره مستواه. بمعنى
    ألصقنا مستوى المتفوقين بمستوى الضعاف, فتوزع الضعف بالتساوي التام
    و ديمقراطيا بين أبنائنا و بناتنا بالتعلم العمومي. و بقي التعليم الخاص لأبناء
    و بنات من يقدر على الأداء به حتى تتمكن فلذات كبده من تمتعهم بوجود
    فرص التحدي و إطلاق العنان لمقدراتهم الذهنية حتى تصل إلى أبعد مدى
    تستطيع أن تصل إليه.


    *****
    فمن أجل العناية بضعاف التلاميذ تم إذن إتباع تلك البيداغوجية المفرطة في
    استصغار المؤهلات الذهنية لكل التلاميذ طيلة حياته الدراسية بالابتدائي والتي
    تظل تتعامل معهم كرضع رغم تقدمهم في السن باعتبار عقل كل منهم كبيضة
    يخشى على تكسيرها. و ما كان يمكن الاستمرار في إتباع تلك البيداغوجية
    الغير محسوبة العواقب لولا غياب مسؤولية و محاسبة المتنفذين في مدارسنا
    عن نتائج مردوديتها. لو وجد من يحاسَب حينها عن نتائج تلك البيداغوجية
    لكان من مصلحته الاعتراض عليها وتقويمها من أجل بيداغوجية متوازنة.


    و لكن في غياب تلك المسؤولية ظل يتقهقر مستوى التلاميذ إلى مستوى
    أصبح معه من الضروري التغطية على ضعفهم باحتساب نقط المراقبة
    المستمرة المضخمة في معدلات امتحانات الانتقال من سلك لآخر. و بلغ اليوم
    تدني مستوى التلاميذ بالابتدائي إلى درجة الحاجة إلى تضخيم المعدلات العامة
    لتلك الامتحانات بنقط المراقبة المستمرة بمقدار 75% من أجل إفراز العدد
    الكافي من تلاميذ السادسة ابتدائي الواجب نقلهم للإعدادي.

    *****
    و مرة أخرى, فحالما يصبح نائب الوزارة مسؤولا عن نتائج المؤسسات
    التعليمية و محاسبا على الرفع من مستوى تلاميذها سيكون من مصلحته
    العمل على نهج تلك البيداغوجية الفارقية المتوازنة التي تعطي لكل متعلم
    حقه بقدر مؤهلاته الذهنية, على غرار تماما ما هو عليه الحال بالتعليم
    الخاص, حيث من مصلحة أصحابها انتهاج تلك البيداغوجية المتوازنة
    من أجل الحفاظ على مختلف التلاميذ بها مخافة الإفلاس.



    ***
    عمر بستاني
     

    طلب من زوارنا الكرام:
    رجاءا من كل الإخوة والأخوات الكرام الذين استفادو من الموضوع وبقليل من الجهد يمكنك مشاركة الموضوع عبر احدى الأزرار الأربعة twitter أو facebook أو +google أو whatsapp ولكم جزيل الشكر على ذالك.